كان يوم تلات





في أحد أيام شهر يناير منذ حوالي خمس سنوات وتحديداً وقت الظهيره أيقظتني رنة هاتفي المُزعجه فوجدت رقما ًأعرفه ولكنه غير مُسجل في قائمة أسماء الهاتف , أجبت فوجدتها هي , صديقة قديمه أخبرتني أنها تنتظرني في مكان ما في الجامعه وأنها حاولت الإتصال بي أكثر من عشرون مرة ولكن حالفها الحظ في المرة الواحدة والعشرون وأخيراً استيقظت من موتي علي حسب وصفها .
تسائلت ! لماذا تنتظريني ولم نُحدد ميعاد مُسبق للقاء كي ألتزم به , ثم أني استيقظت من موتي حالاً علي حد وصفك وأنا إنسان كسول جداً وأنتي تعرفي ذلك , سيستغرق إستعدادي للخروج من البيت أكثر من ساعة ناهيك عن ساعة أخري في المواصلات وربما أكثر !
قالت لا يهم ذلك المهم أن تستفيق وتأتي مُسرعاً وأنا بإنتظارك , سألتها مرة أخري هل هناك شئ ما قد حدث ؟ فأجابت لا ولكني أريد أن أتحدث معك في موضوع مهم لا تقلق .

بعد ساعة بالضبط كما توقعت أخيراً فتحت باب البيت متجهاً إلي الخارج وبعد تقريباً ثلاثون خطوة توقفت لأتحسس بنطالي بحثاً عن السجائر ! ملعونٌ بداء الإدمان من نسي سجائره في البيت ثم عاد حتي ولو كان متأخراً فقط ليُحضر سجائره ! ولكني لست من أولئك الملعونين بداء الإدمان , أنا فقط مُدمن لذلك قررت أن أتجه إلي محل ما وأشتري علبة أخري وأعواد ثقاب , دائماً ما كانت أعواد الثقاب مُمتعه في إشعال سجائري بدلاً من الولاعات ( معلومه غير مهمه ) .

دخلت إحدي المحلات في طريقي إلي موقف السيارات وطلبت نوع سجائر أجنبي كنت أشربه أن ذاك وكان سعره في المتناول ( تقريباً نصف سعر النوع المصري الأن ) وخرجت من المحل مُشعلاً سيجاره ومُعلناً عن نصف البدايه لليوم في انتظار النصف الأخر هناك حيث أقابلها وأستطيع وقتها أن أشرب قهوة ويبدء يومي .
في الطريق رن هاتفي مرة أخري ولكن هذه المره كان صديق دراسة قديم فأجبته بشغف وكانت المكالمه مرحه جداً مثل روحه كعادته , طلب مني ( لو فاضي ) أن أذهب إليه في المنزل لأصلح له الحاسوب الخاص به علي أقصي سرعة ممكنه لأن عليه بعض الملفات التي يستخدمها في المذاكره وخلافه , حدثته قائلاً سأمر عليك بعد العشاء , أنا الأن في طريقي إلي المنصوره لمقابلة بعض الأصدقاء وسأتيك ليلاً قبل أن أعود إلي منزلي !
الغريب أنه لم يرضي بهذه الفكره وطالبني أن أزوره قبل المغرب وإلا سيذهب إلي محل فولان ويعطيه له ليصلحه ولكن بالتأكيد وكعادة فولان هذا سيخبره أن يأتي بعد يوم علي الأقل لذلك سألني مرة أخري أن أذهب إليه حالاً وبعد ذلك أذهب إلي المنصوره !
طبعاً رفضت وأخبرته أنني علي عجلة من أمري وأعتذرت له .

عندما وصلت إلي موقف السيارات لم أجد أي سيارة إلي المنصوره , إنتظرت ربع ساعة , نصف ساعة ولا أمل ! سألت من حولي فقالوا لي أنهم ينتظرون منذ أكثر من ساعة والحل الأن أمامي إما أن أمشي حوالي كيلومتر إلي الطريق السريع وأركب أي سيارة إلي المنصوره أو .. أبحث عن قهوة بلدي قريبه أشرب قهوتي وربما أدخن الشيشه !
وسط الحيرة أتصلت عليها وأخبرتها أن المواصلات صعبة اليوم , هل لكي أن تنتظري أكثر ؟ أخبرتني أنها ذهبت لزيارة صديقة وأعطتني إذن غير مباشر أن أبحث عن قهوة بلدي , طبعاً لم أخبرها بذلك هي فقط تعرف أن المواصلات صعبة الأن وهذه حقيقة .

دخلت إحدي القهاوي , جلست وطلبت قهوة ع الريحه وحجر تفاح , وأخرجت الهاتف أبحث عن أي شئ يُسليني , بعد دقائق وأنا أدخن الشيشه ناظراً في الهاتف وجدت شخص ما وقف أمامي قائلاً ( والله العظيم ما مصدق نفسي ) !
انه أسامه , صديق جمعتني به الدراسه أيام الجامعة القديمه , تعرفت عليه في أول محاضرة بالصدفه وكان شاباً هادئاً وله هيبة من بعيد يحترمه كل من لا يعرفه , نعم أقصد كل من لا يعرفه لأني بصراحه لم أري أحداً يحترمه ممن يعرفه !
أسامه جمعني به في أول يوم تعرفت عليه هدفٌ سامي للغايه , جاء يجلس بجاني وأخبرني علي الفور بعدما قدم نفسه ( أنا جاي أعلق البت دي تيجي نعلقهم الاتنين ؟ ) بصراحه تفاجئت , أنا بالفعل وقبل أن يأتي أسامه كنت أخطط للحديث مع البنت الأخري التي تجلس بجوار البنت التي يحاول الشاب الجالس بجانبي الحديث معها !
أنا قرأت مرات ومؤمن بما يسمي بـ ( توارد الخواطر ) ولكن ليس لهذا الحد يا أسامه ! لذلك تساهلت معه من البدايه وصاحبته , وبعد دقيقه طلب أسامه مسطره من البنت , من سخرية القدر أعطته البنت المسطره وهي تبتسم , ومن سخرية أسامه كسر المسطره فسمعت البنت الصوت المعروف لأي مسطره في الكون تُكسر ! إلتفتت وسألت هل كسرت مسطرتي ؟
رد أسامه أنا أسف جداً لقد وقعت وحدها فإنكسرت , تعجبت البنت وقالت إنها ليست من الزجاج كي تُكسر إذا وقعت علي الأرض ! لماذا كسرتها ؟
وفجأة وقفت البنت ونادت علي الدكتور وقالت له ما حدث ! تعرق أسامه جداً من الخوف والإحراج معاً , ناداه الدكتور أمام الطلاب وسأله هل حدث ما قالته زميلتك ؟ أخبره أسامه أنه لم يقصد وأنها كُسرت وحدها فأمره الدكتور أن يخرج من المحاضره ووعد البنت أن يُهديها مسطرة جديده !
وغير هذا الموقف مواقف ومواقف وكلها تبدء من تاء التأنيث وتنتهي بكارثة ( ولو لاحظت كارثة أيضاً تنتهي بتاء تأنيث ) هذا هو أسامه النحس , ذلك ما كنت أطلقه عليه في هذه الفتره , بعد ذلك إنقطعت أخباره عني ولم أعد أراه لحوالي عام تقريباً واليوم أرفع عيني لأجده واقفاً أمامي يضحك ويقول ( والله العظيم ما مصدق نفسي ) !

أهلاً أسامه , رحبت به وطلبت له الشاي وحجر قص وخلافه وسألته مُتعجباً , أين أنت كل هذه الفتره يا رجل فـ بدء يحكي متذكراً بعض المواقف القديمه التي مر بها بإحراج شديد وبين كل كلمة وكلمة ( فاكر ) وأنا أدخن وأضحك لاغير , ثم سكت مرة واحد وأخبرني أن والده توفي منذ ستة أشهر ! وأن الحياة الحقيقية علي حد قوله قد بدأت ! استمر التدخين ولكن انتهي الضحك , وفجأة أخبرني أنه يخطط للزواج ! قولت له ولكن أنت مازلت صغيراً جداً علي هذه الخطوة فقال لا أنا ابن أمي الوحيد ومات أبي والعروس أيضاً بنت عمي ووحيده , كانت تُحبني منذ الصغر ولكني لم ألتفت إليها إلا في الشهور الأخيره , بصراحة أحببتها أيضاً ولما علمت أمي بالموضوع قالت فلتتزوجها .
وسط حديثه عن بنت عمه التي كانت تُحبه في الوقت الذي كان يُطرد من المحاضرات لأنه يفعل أشياء غريبه مع البنات محاولة منه للتقرب لأي أنثي يري فيها أنها فتاة أحلامه ( والحقيقه تقريبا 98% من بنات الدنيا يصلحن لأسامة كـ فتاة أحلامه ) تذكرت هذه البنت المسكينه التي أيقظتني من النوم لأقابلها وأنا الأن أجلس علي القهوة أدخن الشيشة وأسمع حواديت أسامه ولم أحاول أصلاً أن أجد وسيلة تنقلني إلي المنصوره !
الساعه أصبحت الثالثة والنصف عصراً ولم أتحرك بعد إليها ! ولكن يبدو أن أسامه لم يتحدث مع صديق منذ زمن بعيد فأنا الأن مشرد البال لا أملك الوقت لأضيعه أكثر من ذلك وهو مازال يحكي ويخرج بمرونة من حكاية إلي أخري !
قاطعته مرة واحده وأخبرته أن لدي ميعاد في المنصوره عليّ أن أسرع إليه فقال حسناً سأتي معك !
من مع من ؟ أنا وأسامه إلي المنصوره لأقابلها ! مستحيل طبعاً
إستغرق الأمر نصف ساعة محاولات مُستميتة مني لأقنع أسامه ( كي لا يغضب ) أن أذهب أنا إلي المنصوره ويذهب هو حيثما يشاء أو إلي المكان الذي كان يقصده ولسخرية القدر مني وجدني فجلس معي !


توجهت مُسرعاً هذه المرة إلي الطريق السريع , حسناً الخطة كالأتي , سأنتظر سيارة قادمة من القاهره ومتجهة إلي المنصوره وأركب , وهذا ما تم فعلاً ... للأسف !
جلست في الكرسي الأمامي بجوار السائق , لسوء حظي ليس أكثر , أعتقد وهذه مجرد ظنون أن السائق شرب شئ ما أحمر اللون , بني اللون قبل أن يبدء رحلته هذه وربما شرب كل هذه الألوان أثناء الرحلة !
كل الركاب في الخلف نائمون ! ربما كانت حفلة جماعيه والعيار عالي بعض الشئ ! كلهم ناموا إلا المسكين للأسف لابد أن يستمر أحد في القياده , أفكار وأفكار تأتي وتذهب إليّ من أفعال السائق ! طلبت منه النزول فنظر إلي بنصف عين قائلاً ( نازل فين ؟ ) فقولت هنا لو تكرمت ! فقال ولكنك لم تبعد عن المكان الذي أوقفتني لتركب 200 متر حتي , ألم تعد قادراً علي المشي وأنت في هذا السن الصغير ودخل في نوبة ضحك هستيريه انتهت بدخول أخر أيضاً ولكن في مؤخرة سياره كانت أمامنا !
الحمد لله السرعه كانت بسيطه لأن السيارات هدأت السرعه لتتفادي مطب صناعي قريب , إستفاق كل ركاب السياره من نومهم وقبل أن يسألوا عن ما حدث نزلوا من السياره وذهبوا إلي السيارة الأخري وتشاجروا جميعاً مع كل ركاب السيارة !
وأنا والسائق الجاني نجلس بهدوء في مقاعدنا الأماميه أنظر إليه بدهشه وينظر إليّ كل خمس ثوان ليقسم أنه لم يخطئ !
لن أقسم أنا لكم ولكن تكرر المشهد علي الطريق ثلاث مرات مع ثلاث سيارات مختلفه ! وكل مره يستيقظ الركاب وكأنهم مُبرمجين علي ذلك , يذهبوا يتشاجروا ويعودوا لنومهم الهادئ والسائق الحمل الرقيق يكتفي بالإستغفار والقسم بأن الخطأ ليس خطئه !
رن هاتفي فوجدتها غاضبة تخبرني أنها سترحل وأني كذبت عليها ولم أتحرك من بيتي أصلاً فأخطئت حينما أعطيت الهاتف إلي السائق وأنا أطلب منه ( قولها ان احنا داخلين ع المنصوره ) فرد بلغته الفريده ( قولها انت ان اقسم بالله ما غلطان ) !

بعد محاولات ومحاولات لم أستطع أن أقنعها أنني علي أعتاب المنصوره , أغلقت الهاتف في وجهي ولا أعلم إلي أين ذهبت بعد ذلك ولكن ما أعلمه أني أخطئت عندما قررت أن أخرج من بيتي في الصباح لأقابلها , وصلت إلي المنصوره واتصلت بها ( غير متاح ) كل مرة هاتفها غير متاح ! الساعة أصبحت السادسة ليلاً واليوم كان شاق جداً , قررت أن أعود مرة أخري !
نزلت من السيارة في المنصوره وأنا ألعن السائق في سري وعلناً أخبره بأنه ليس خطئه بالطبع ! لا أستطيع أن أقول غير ذلك , لماذا ؟ لو تشاجرت معه وحده لكان الأمر هين ! ولكن هناك جيش نائم في الخلف سيستيقظ يضربني ويعود إلي نومه مرة أخري ولن يتذكروا أصلاً !

في طريق العودة رن هاتفي فوجدتها هيّ ! يا إلهي , لا تصدق أنني دخلت المنصوره واتصلت عليها مراراً ولكنها غضبت ورحلت وظلت تُكذبني وتُكذبني ولكن ولله الحمد وجدت رجلاً سوي هذه المره يخبرها بأننا في طريقنا الي ميت غمر من المنصوره !
ولكنها في النهاية أنثي ! لم تصدق أيضاً وظلت سنين كلما أخبرتها أنني ذهبت إليها بعد صراعات مع الواقع تُخبرني أني كذاب .
انتهي اليوم بلا فائده , لم ألتقيها , لم أذهب إلي صديقي أصلح له ما أتلفته يداه ! فقط قابلت أسامه النحس ! كان يجب أن أنتبه لهذه الإشاره السماويه وأعود إلي البيت .









إرسال تعليق
مازلت عايش في الحياه بكيفي